الشنقيطي
183
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فيمس الصدقة » حدثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي . حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يؤتى بالتّمر عند صرام النّخل فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتّى يصير عنده كوما من تمر ، فجعل الحسن والحسين رضي اللّه عنهما يلعبان بذلك التّمر ، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه ، فنظر إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخرجها من فيه . فقال : « أما علمت أنّ آل محمد - صلى اللّه عليه وسلم - لا يأكلون الصّدقة » « 1 » ا ه . فهذا الحديث الصحيح نص صريح في أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأخذ صدقة النخل تمرا بعد الجذاذ ، وقد تقرر في الأصول أن صيغة المضارع بعد لفظة كان في نحو كان يفعل كذا : تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل ، فقول أبي هريرة في هذا الحديث المرفوع الصحيح : كان صلى اللّه عليه وسلم : « يؤتى بالتّمر عند صرام النّخل » . الحديث يدل دلالة واضحة على أن إخراج التمر عند الجذاذ هو الذي كان يفعل دائما في زمنه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الذي يأخذ في الزكاة ذلك التمر اليابس ، فمن ادعى جواز إخراج زكاة النخل رطبا أو بلحا فهو مخالف لما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال ابن حجر في « فتح الباري » في شرح هذا الحديث المذكور آنفا ما نصه « قال الإسماعيلي : قوله عند صرام النخل ، أي بعد أن يصير تمرا ، لأن النخل قد يصرم وهو رطب ، فيتمر في المربد ، ولكن ذلك لا يتطاول فحسن أن ينسب إلى الصرام كما في قوله تعالى : أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] فإن المراد بعد أن يداس وينقى واللّه تعالى أعلم » ا ه . منه بلفظه وهو واضح فيما ذكرنا . وبما ذكرنا تعلم أن ما يدعيه بعض أهل العلم من المتأخرين من جواز إخراج زكاة النخل رطبا وبسرا غير صحيح ، ولا وجه له ، ولا دليل عليه ، وأما إن كان التمر لا ييبس ، كبلح مصر وعنبها فقد قدمنا عن مالك وأصحابه أن الزكاة تخرج من ثمنه إن بيع ، أو قيمته إن أكل ، لا من نفس الرطب أو العنب . وقد قدمنا عن ابن رشد قولا مرجوحا بإجزاء الرطب والعنب في خصوص ما لا ييبس . ومذهب الشافعي رحمه اللّه في زكاته ما لا ييبس ، أنه على القول بأن القسمة تمييز حق لا بيع ، فيجوز القسم ويجعل العشر أو نصفه متميزا في نخلات ، ثم ينظر المصدق ، فإن رأى أن يفرق عليهم فعل ، وإن رأى البيع وقسمة الثمن فعل ، وأما على القول بأن القسمة بيع فلا يجوز في الرطب والعنب ، ويقبض المصدق عشرها مشاعا ، بالتخلية بينه وبينها ، ويستقر عليه ملك المساكين ، ثم يبيعه ويأخذ ثمنه ويفرقه عليهم ، وهكذا الحكم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الزكاة حديث 1485 .